عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
9
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
بضبطه القلم ، وإلى فضل الحكم فصل الحكم . ومن . مشهور ما ينسب إليه من الشعر قوله : قل للذي بصروف المصر عيرنا * هل حارب الدهر إلا من له خطر أما ترى البحر يعلو فوقه جيف * ويستقر بأقصى قعره الدرر فإن تكن عبثت أيدي الزمان بنا * ونالنا من تمادي بؤسه ضرر ففي السماء نجوم ما لها عدد * وليس يكسف إلا الشمس والقمر وله من النظم والنثر أشياء مستحسنة ، وكذلك كان خطه في نهاية من الحسن . وكان الصاحب ابن عباد إذا رآه قال : هذا خط قابوس أم جناح الطاوس ؟ وينشد قول المتنبي : في خطه من كل قلب شهوة * حتى كأن مداده الأهواء ولكل عين قرة في قربه * حتى كأن مغيبه الأقذاء وكان الأمير المذكور صاحب جرجان وتلك النواحي ، وكانت من قبله لأبيه ، ثم انتقلت مملكة جرجان عنهم إلى غيرهم ، وشرح ذلك يطول . وكان ملك قابوس المذكور لها في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة ، وكانت المملكة قد انتقلت إلى أبيه من أخيه . قالوا : وكان قابوس من محاسن الدنيا وبهجتها ، غير أنه على ما خص به من المناقب والرأي البصير بالعواقب من السياسة لا يساغ كأسه ، ولا تؤمن سطوته وبأسه ، يقابل زلة القدم ، ولا يذكر العفو عند الغضب على من أجرم ، فما زال على هذا الخلق قابوس حتى استوحشت منه النفوس ، وانقلبت عنه القلوب ، وتجافى الصاحب عن المصحوب ، فأجمع أهل عسكره على خلعه عن ولايته ، ونزع الأيدي عن طاعته ، وحالوا بينه وبين جرجان ، وملكوها ، وبعثوا إلى ولده أبي منصور ليعقد البيعة له ، فأسرع في الحضور . فلما وصل إليهم أجمعوا على طاعته أن خلع أباه ، فلم يسعه في تلك الحال إلا المداراة ، فأجابهم خوفاً على خروج الملك عن بيتهم ولما رأى قابوس هذا المرام ، توجه بمن معه من خواصه إلى ناحية بسطام ، لينظر ما يستقر عليه الأمر . فلما سمعوا بخروجه حملوا ولده على قصده وإزعاجه عن مكانه ، ومقابلته بالشر . فسار معهم مضطراً إلى أبيه ، فتلاقيا ، وتباكيا لما جرى من تغير الحال ، وتشاكيا ، وعرض الولد نفسه أن يكون حجاباً بينه وبين أعاديه ، فلو قوبل بالقتال لقتل ، وذهب نفسه فيه . ورأى الوالدان ذلك لا يجدي ، ولا توجد نجدة ، وأن ولده أحق بالولاية والملك بعده ، فسلم إليه خاتم المملكة ، واستوصاه خيراً بنفسه ما زال في قيد الحياة واتفقا على أن يكون الوالد في بعض القلاع إلى حلول أجله والانسلاخ من الحياة والانقطاع ، أو فناء أعاديه من البلاد والقلاع . فانتقل إلى قلعة